فخر الدين الرازي
40
شرح عيون الحكمة
حركة فهي اما مستقيمة أو مستديرة . إذا عرفت هاتين المقدمتين ، فنقول : كل حركة فلا بد لها من مطلوب معين . أما الحركة المستقيمة فلأنها ان كانت طبيعية فلا بد وأن تكون متوجهة إلى غاية معينة . إذ لو لم تكن كذلك لكان كونها متوجة إلى غاية معينة ترجيحا للممكن من غير مرجح . وهو محال . وان كانت إرادية فلا بد وأن تكون الحركة إلى ذلك الجانب المعين ، أرجح عند ذلك المريد ، من الحركة إلى الجانب الآخر ، إذ لو لم تكن كذلك لكان حصول هذه الحركة إلى هذه الجهة دون سائر الجهات ، رجحانا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح . وهو محال . وأما الحركة المستديرة فالقول فيها ما ذكرناه في المستقيمة بعينها ، سواء فرضت طبيعية أو قسرية أو إرادية . ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب . أما قوله : « ولأن كل مبدأ حركة لا يخلو » اعلم : أن كل قوة محركة فهي اما أن تحرك حركة مستقيمة أو مستديرة فإن كان الأول فاما أن تحرك حركة مستقيمة إلى غاية معينة ، أو لا إلى غاية معينة . فالأقسام ثلاثة : أحدها : القوة التي تحرك حركة مستقيمة إلى غاية معينة . وثانيها : القوة التي تحرك حركة مستديرة . وثالثها : القوة التي تحرك حركة مستقيمة لا إلى غاية معينة محدودة . فهذا هو تفسير قوله : كل مبدأ حركة فاما أن يتوجه بها نحو شئ محدود ، أو يتوجه نحو دور يحفظه ، أو يتوجه لا إلى غاية على سبيل الاستقامة » ثم إنه لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة ، أراد أن يشرح أحوال كل واحد من هذه الأقسام . فبدأ بالقسم الأول - وهو الذي يحرك محركة مستقيمة إلى غاية معينة - فبين أن القوة التي هذا شأنها ، اما أن تكون طبيعية أو إرادية أو قسرية . وقد ذكرنا وجه الحصر . ثم قال : والقسر ينتهى إلى إرادة أو طبع : والأمر كما قال . والا لزم استناد كل قسر إلى قسر آخر ، على سبيل التسلسل أو الدور . وهما باطلان .